القرطبي

199

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

القول الثاني : قال أصحاب الشافعي : إنما لم يقتلهم لان الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الايمان يستتاب ولا يقتل . قال ابن العربي : وهذا وهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد ، ولا يقول أحد إن استتابة الزنديق واجبة ( 1 ) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع علمه بهم . فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال : إن استتابة الزنديق جائزة ( 2 ) قال قولا لم يصح لاحد . القول الثالث : إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه ، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر : ( معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ) أخرجه البخاري ومسلم . وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا ، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم . قال ابن عطية . وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون ، واحتج بقوله تعالى : " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ( 3 ) " [ الأحزاب : 60 ] إلى قوله : " وقتلوا تقتيلا " [ الأحزاب : 61 ] . قال قتادة : معناه إذا هم أعلنوا النفاق . قال مالك رحمه الله : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم ، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة ، وهو أحد قولي الشافعي . قال مالك : وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لامته أن الحاكم لا يحكم بعلمه ، إذ لم يشهد على المنافقين . قال القاضي إسماعيل : لم يشهد على عبد الله ( 4 ) ابن أبي إلا زيد بن أرقم وحده ، ولا على الجلاس ( 5 ) بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه ، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل . وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر : السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد

--> ( 1 ) الذي في كتاب الأحكام لابن العربي : ( . . . أن استتابة الزنديق غير واجبة ) . ( 2 ) كذا في الأصول وكاتب الاحكام لابن العربي . ولعل صواب العبارة : ( إن استتابة الزنديق واجبة ) . ( 3 ) راجع ج 14 ص 245 ( 4 ) سيذكر الامام القرطبي قصته عند تفسير سورة ( المنافقون ) . ( 5 ) كان متهما بالنفاق ، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى : ( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية . وستأتي قصته عند تفسير هذه الآية في سورة ( براءة ) إن شاء الله تعالى . وقد أوردها ابن هشام في سيرته ص 355 طبع أوروبا ، وابن عبد البر في الاستيعاب ج 1 ص 97 طبع الهند .